سيد قطب
2163
في ظلال القرآن
ومن مظاهر التدبير في الخلق ، وظواهر النعمة على البشر في آن : الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم . فكلها مما يلبي حاجة الإنسان في الأرض . وهي لم تخلق له ولكنها مسخرة لمنفعته . فظاهرة الليل والنهار ذات أثر حاسم في حياة هذا المخلوق البشري . ومن شاء فليتصور نهارا بلا ليل أو ليلا بلا نهار ، ثم يتصور مع هذا حياة الإنسان والحيوان والنبات في هذه الأرض كيف تكون . كذلك الشمس والقمر . وعلاقتهما بالحياة على الكوكب الأرضي ، وعلاقة الحياة بهما في أصلها وفي نموها ، « وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ » للإنسان ولغير الإنسان مما يعلم اللّه . . وكل أولئك طرف من حكمة التدبير ، وتناسق النواميس في الكون كله ، يدركه أصحاب العقول التي تتدبر وتعقل وتدرك ما وراء الظواهر من سنن وقوانين : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » . . والفوج الرابع من أفواج النعمة فيما خلق اللّه للإنسان : « وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ » . . وما خلق اللّه في الأرض وما أودع فيها للبشر من مختلف المعادن التي تقوم بها حياتهم في بعض الجهات وفي بعض الأزمان . ونظرة إلى هذه الذخائر المخبوءة في الأرض ، المودعة للناس حتى يبلغوا رشدهم يوما بعد يوم ، ويستخرجوا كنوزهم في حينها ووقت الحاجة إليها . وكلما قيل : إن كنزا منها قد نفد أعقبه كنز آخر غني ، من رزق اللّه المدخر للعباد . . « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ » ولا ينسون أن يد القدرة هي التي خبأت لهم هذه الكنوز . والفوج الخامس من أفواج الخلق والأنعام في البحر الملح الذي لا يشرب ولا يسقي ، ولكنه يشتمل على صنوف من آلاء اللّه على الإنسان : « وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا ، وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ، وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » . . ونعمة البحر وأحيائه تلبي كذلك ضرورات الإنسان وأشواقه . فمنه اللحم الطري من السمك وغيره للطعام . وإلى جواره الحلية من اللؤلؤ ومن المرجان ، وغيرهما من الأصداف والقواقع التي يتحلى بها أقوام ما يزالون حتى الآن . والتعبير كذلك عن الفلك يشي بتلبية حاسة الجمال لا بمجرد الركوب والانتقال : « وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ » فهي لفتة إلى متاع الرؤية وروعتها : رؤية الفلك « مَواخِرَ » تشق الماء وتفرق العباب . . ومرة أخرى نجد أنفسنا أمام التوجيه القرآني العالي إلى الجمال في مظاهر الكون ، بجانب الضرورة والحاجة ، لنتملى هذا الجمال ونستمتع به ، ولا نحبس أنفسنا داخل حدود الضرورات والحاجات . كذلك يوجهنا السياق - أمام مشهد البحر والفلك تشق عبابه - إلى ابتغاء فضل اللّه ورزقه ، وإلى شكره على ما سخر من الطعام والزينة والجمال في ذلك الملح الأجاج : « وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » . والفوج الأخير في هذا المقطع من السورة : « وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ، وَأَنْهاراً وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ » . فأما الجبال الرواسي فالعلم الحديث يعلل وجودها ولكنه لا يذكر وظيفتها التي يذكرها القرآن هنا . يعلل وجودها بنظريات كثيرة متعارضة أهمها أن جوف الأرض الملتهب يبرد فينكمش ، فتتقلص القشرة الأرضية من فوقه وتتجعد فتكون الجبال والمرتفعات والمنخفضات . ولكن القرآن يذكر أنها تحفظ توازن الأرض . وهذه الوظيفة لم يتعرض لها العلم الحديث .